الذهبي

49

الأمصار ذوات الآثار

السبب الثاني : العمل بالعلم : لا شك أن الالتزام العملي بما يعلم ، يرسخ المعلومات في الأذهان ، ويثبتها ، وقد كان صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن بعدهم من أئمة الدين ، يقرنون العلم بالعمل « 1 » ، والقول بالفعل ، ومن الأدلة على هذا قول ابن مسعود رضي اللّه عنه : « كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن ، والعمل بهن » « 2 » وقول أبي عبد الرحمن السلمي التابعي : « حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ، أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن ، والعمل جميعا » « 3 » . وأمر آخر وهو أن اللّه سبحانه يهب عباده المؤمنين العاملين قوة في علمهم ، وثباتا في ذهنهم فضلا منه ورحمة ، فقد حكي عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال : « من عمل بما يعلم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » « 4 » فهذا القول ولو لم نعلم صحة نسبته إلى عيسى عليه السلام فإنه صحيح المعنى ، أما العصاة المذنبون فإنهم يحرمون بركة العلم ، قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور * ونور اللّه لا يهدى لعاص « 5 » السبب الثالث : ترغيب الشارع في تبليغ العلم ، وترهيبه من كتمه : فقد رغب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمته في تبليغ العلم عنه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نضّر اللّه امرءا سمع

--> ( 1 ) لا يفهم من هذا أنهم كانوا يفعلونه لأجل تقوية الحافظة ، فحاشاهم من ذلك ، بل قصدهم الطاعة ، والخضوع للّه تعالى ، لكن هذا المقصد يلزم منه ذلك . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره 1 / 80 ، وذكره القرطبي في التفسير 1 / 39 عن عثمان ، وأبيّ أيضا . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره 1 / 80 . ( 4 ) نسب هذا القول إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهي نسبة باطلة ، انظر الحلية لأبي نعيم الأصبهاني 10 / 15 ، والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار للحافظ العراقي 1 / 71 . ( 5 ) ديوان الإمام الشافعي ص 54 .